25 سبتمبر

برعاية وزير الثقافة الاستاذ محمد الأحمد أقيمت في مكتبة الأسد الوطنية ندوة “قامات في الفكر والأدب والحياة” السابعة بعنوان “الدكتور رضا سعيد أحد مؤسسي النهضة العلمية ورئيس الجامعة السورية الأول”، ناقش محاورها كل من د.سامي مبيض، د.نبيل طعمة، د.وائل بركات، و د.اسماعيل مروة.
وتحدث د.سامي مبيض في محور “رضا سعيد رجالات ومواقف” عن دوره في تأسيس معهد الطب العربي قائلاً:« طالب رضا سعيد بإعادة فتح معهد الطب العثماني بدمشق للمعالجة مجانا مع لحنة مؤلفة من عبد الرحمن الشهبندر، ود. أحمد منيف العائدي، مرشد خاطر، د.عبد القادر زهرة، ود.محمود حمادة، حجم العمل كان كبيراً، ونجح هؤلاء الأطباء في مهامهم وقاموا يإعادة افتتاح المعهد بعد تعريب اسمه ليصبح معهد الطب العربي، والذي تحول لاحقا ليصلح كلية الطب في الجامعة السورية الذي أعلن رضا سعيد عن تأسيسها عام ١٩٢٣.
والملفت أن لا رضا سعيد ولا كافة أعضاء لجنة التعريب كانوا من خريجي هذا المعهد، ولكنهم حرصوا عليه كثيراً، وحاولوا جاهدين النهوض به، أملاً أن يساهم هذا الصرح العلمي بنهضة البلاد والعباد معا وأن يصبح مثالا يحتذى به في كافة بلدان المشرق العربي.
ومشكلة المعهد يوم التأسيس كان أنه بقيادة طبيب عثماني يدعى فيض الله باشا، جاء إلى دمشق لمعاينة وباء الكوليرا الذي كان قد ضرب المدينة، وبقي فيها بالتكليف لتأسيس معهد الطب.
وجميع هؤلاء غادروا دمشق مع انهيار الدولة العثمانية، وكان على رضا سعيد البحث عن أطباء محليين لملئ الفراغ في الكادر التعليمي فجال على أطباء البلاد الذين كانوا قدوة في حينها بحثاً عن أفضل الكفاءات وعن كافة الاختصاصات المطلوبة والمتوفرة في بيروت.
وضع رضا سعيد ومسلم الغطار النظام الأساسي لعمل كليتي الطب، والحقوق واجتهد على أن يكون التعليم مدعوم لامجاني كما كان الحال أيام العثمانيين، وحددت التكاليف غلى الشكل التالي ٣دنانير عند التسجيل وتسعة دنانير للعام الدراسي الواحد يمكن تسديدها على ثلاث أقساط وأخيرا ١٠ دنانير عند تخرج الطالب وحصوله على الشهادة العلمية».
د.وائل بركات بدوره قال:لم يعرف رضا سعيد، المولود عام 1876، حنان الأم، لكنه نعم بحنان أب سماه بهذا الاسم يحذوه الأمل بأنه سيكون مرضياً، فبعد وفاة الأم قرر الأب أن يتخلى عن موقعه كضابط في سلاح الفرسان العثماني، لقد وعى الأب أن السياسة التعليمية التي تنتهجها الدولة العثمانية وربطَها بالاعتبارات الحربية لن توصل إلى النتيجة المرجوة، فالاهتمام بالتعليم يمر حكماً عبر زيادة عدد المدارس والمدرسين، وإنعاش الثقافة وأشكال فنونها المتعددة شريطة تعميمها على الجميع دون حصرها بالجانب العسكري فقط.
قاده هذا الأمر إلى تخطيط مستقبل ابنه الصغير رضا ليكون ضابطاً في الجيش وأن يجمع إلى ذلك مهنة الطب، وبعد أشهر قليلة، ونظراً لمستواه الرفيع في الطب، اختاره أستاذه ليكون مساعده الأول في العمليات الجراحية وخاصة الدقيقة منها وعندما اجتاحت العاصمة والمدن الأخرى، إضافة للفقر والجوع والفاقة وما كان عسكر العثمانيين يقومون به من نهب البيوت والاستيلاء على المؤونة الغذائية السنوية للأهالي، الجوائح المرضية التي كان سببها ضعف العناية الصحية من قبل الإدارة العثمانية، وغياب الوعي الصحي عند السكان الذين كانوا يستخدمون بحكم الحاجة والضرورة مياه بردى الملوثة في الحاجات اليومية ويشربون منها أحياناً، مما سهل انتشار الأمراض الوبائية وانتقالها إلى عدد كبير من قاطني دمشق فتسببت بموت الكثيرين، ونظراً للسمعة الطبية الجيدة والقدرة على إدارة الأمور وتنظيمها تسلم رضا سعيد رئاسة بلدية دمشق، ليساعد الناس ويخفف من الأذى الذي يقع عليهم كل يوم بالقدر المستطاع، ومع نجاحه في الحد من بعض الأوضاع السيئة.
وانتقل رضا سعيد إلى ساحة العمل، فقام باستعادة البناء الذي كان مقراً للمعهد الطبي العثماني، وجعله مقراً للمدرسة الطبية العربية (المعهد الطبي العربي لاحقاً)، وبعيداً عن الواجب الوطني الذي كان عالي المستوى عنده، ويشهد له بذلك أفعاله ومواقفه وسلوكه، وعن تجربته الشخصية في دراسة العلوم الطبية ورغبته في الإفادة منها لمعالجة مواطنيه، نستطيع القول إن معايشة الأوبئة التي تغلغلت في المدن السورية وخاصة مدينته دمشق أثناء الحرب، وما ترتب عليها من وفاة زوجته مارسيل، وما قام به أثناء عمله رئيساً لبلدية دمشق للحد من انتشار الأمراض والجهل الصحي لدى الناس، كانت محرضاً إضافياً حرك حماسه لإعادة الحياة في المدرسة الطبية العربية، وقد يكون حديثه للأمير فيصل في حلب عن الفكرة دليلاً، وكان قد دفن زوجته للتو في المدينة نفسها، على ذلك.
واستطاع رضا بأقل من شهرين إعادة الحياة للمدرسة الطبية العربية، وتم افتتاحها في 12/01/1919 وأوكلت إليه إدارتها إضافة إلى عمله مدرساً لأمراض العيون، لقد كان هاجسه الأساسي في أن تقارب هذه المدرسة نظيراتها من المعاهد الطبية في الدول العربية والغربية أيضاً، وطالما أن المخصصات لاتفي بأولويات العمل المناط به تنفيذه، وأن الأدوات والمعدات تحتاج إلى أضعاف ما هو مخصص، كان لزاماً عليه وعلى زملائه ضغط النفقات، فولدت عندهم فكرة، لاتنم إلا عن إخلاص وتضحية للقيام بهذه الخدمة الوطنية الجليلة، تقضي بعدم تقاضي الأطباء والمدرسين أي أجور في السنة الأولى من عملهم، وأن تحول مخصصات هذا البند إلى شراء واستكمال ما ينقصهم من تجهيزات واحتياجات.
وكذلك لم يدخر رضا جهداً في توفير الأموال اللازمة لتحقيق غرضه، من ذلك مثلاً اتفاقه مع المسرحي المصري الشهير جورج أبيض، الذي كان يأتي مع فرقته لتقديم عروضه المسرحية بالعربية وبالفرنسية في دمشق، أن يخصَّ المدرسة بريع واحدة من حفلاته، بالمقابل كان رضا سعيد يكرم الفرقة ويدعو أعضاءها إلى وليمة فاخرة ويحضرها أساتذة في الطب والحقوق، وهذا ما فعله أيضاً مع فرقة يوسف وهبي حين زارت دمشق بالتشارك مع فرقة أبيض (ص. 147-149).
د.نبيل طعمة تحدث في محوره عن رضا سعيد وأيام النهضة السورية بالقول:« إنه علم من أعلام سورية الخالدة، عرف أحوال بلاده في سره، فراح يؤسس لها مسارات النجاح، قلبه امتلأ بالحب، وعقله بالعلم والمعرفة، لم يعش في الضباب، ولم يلته بالأحلام ولم يعبث بمفهوم الحياة، لم يختلق كائنات أو عوالم من وهم، بل غاص بانتماء لوطنه في كل شيء، لم يقبل بأن يصنع الاحتلال العثماني والانتداب الفرنسي أقدار أبناء وطنه، فقدم نفسه للحرية المتطورة بعلمية، حمل قلمها وبه ذهب يحطم القيود والأغلال، مرسخاً ابن سورية الوفي لها، ولحضارة إنسانها، أحزنه أن رآها تخبو، فذهب ليؤسس منابر علم تمحو الجهل المنتشر وتفسح مساحات للتفكير والعلمي».
والواجب المنطقي العلمي والوطني الواقعي الذي يتمتع بهما، دعاه لفهم الاحاياجات عند أبناء وطنه، ودعته بصيرته للعمل على الجانب العقلي الذي يهيئ للبصيرة والبصر في آن رؤية التطورات الحاصلة، وهذا مايميز الإنسن عن الآخر فيسعى لخدمته بعد أن يرتب انتماءه وولاءه حسب جدول الأولويات.
لم تكن قيمته في زمنه مؤثرة لأنه لم يعتمد الكلام، بل الأفعال التي كانت مؤثرة وقابلة للحياة والبقاء، فذكاؤه وحنكته فردته في عصره، مبعدة إياه عن أي اتهام بعمالة ماعزز أداءه وزاد من انتمائه لوطنه وشعبه، ولو وضعنا إنجازاته في الميزان لوجدناها أكثر من وازنة لانه شخصية قيمة وقامة فعلية وفعالة بحكم اتصافها بالاتزان والانسجام لأنها آمنت بالعروبة الحاضنة، وبتحرير الوطن وأبنائه من العبودية والتبعية والتخلف، وسعت إلى نشر العلم الذي به وحده تتطور الأمم وتتحرر وتنجز الاستقلال والحضور».
د.اسماعيل مروة بدوره قال:«رضا سعيد قامة علمية أكاديمية من واجبنا أن نستعيدها ونذكر ما قدمته للعلم في سورية، ولد في القرن 9، درس وتخرج في أسطنبول، ثم أوفد إلى باريس ليدرس طب العيون، ثم عاد إلى تركيا ليكون طبيباً للعيون، ثم بعد تقاعد والده عاد إلى سورية، وتسلم المشفى العسكري، وكان رئيساً لبلدية دمشق، وعميداً لمعهد الطب آنذاك، وعندما تأسست الجامعة السورية أصبح أول رئيساً لجامعة دمشق، كما عين وزيراً للمعارف لسنتين، وعاد إلى إدارة الجامعة، ونذر حياته لها، وللعلم في سورية، وعندما توفي نكست الأعلام لأجله لأنه قامة علمية من الصعب إيجاد مثيلها، واخترنا اليوم تكريمه لأنه شخصية أكاديمية، أسهم في الحركة العلمية، وكل طلاب سورية مدينون لرضا سعيد الذي أنشد حركة علمية بعيدة عن الذاتية». المكتب الصحفي في وزارة الثقافة
تصوير: رامي الغزي.

Leave a comment